موقع الدكتور إسماعيل شهاب

يهتم بالفن والأدب والنقد ومساعدة الموهوبين و الباحثين

من روائع الفن النثرى للأستاذ مازن غراب   

البيت يغوص

كنت صغيرًا ، أنظر نحو النافذة ، أحدّق ، أرتهب ، أسمع صياح الديك ثم زقزقة العصافير وهديل اليمام ؛ فأرى ضوءًا ضياءً دفيئًا يدخل الحجرة ؛ فتصحو.

وعندما يبدأ هذا الضياء يضعف تدريجيّا حتى يختفى، ثم تبدأ الصراصير فى صراخها المتتابع- أرى نورًا شفيفًا يدخل الحجرة؛ فتنام.

(وكثيرًا ما كان لا يدخل هذا النور وننام رغم صراخ الصراصير المتتابع!!)

كنت أرى ذاك الضياء وهذا النور ولا أعرف من أين يأتيان!.

كنت عندما يدخل ذاك الضياء أسمع الحركة تدب خارجًا؛ أسمع وقع أقدام

نشيطة تتبادل التحية والكلام فى عجالة، أسمع صراخ أطفال.. ضحكات.. نداءات.. همسات.. شجارات.. وفى الخلف زقزقة العصافير وهديل اليمام.

كنت أسمع كل هذا ولا أرى – لأنى كنت قصيرًا – من النافذة غير السماء مع الضياء.

وعندما يذهب شيئًا فشيئا ويجيء النور الشفيف تبدأ الحركة والأصوات فى الموات شيئًا فشيئا.ها قد كبرت، وها أمسك بالنافذة لا أخاف، وأرى ما كنت قد سمعته من

قبل وأنا صغير.

ها قد خرجت إلى الخارج. أروح وأجيء. أصبحت صوتًا من الأصوات.

كنت ألاحظ أن الأرض فى حارتنا تعلو والبيوت تغوص.

الأيام تمر ، والأرض تعلو ، والبيوت تغوص.

نافذتى بدأت تغوص.

سافرت. وعندما عدت وجدت نافذتى ثغرة والسقف أرضًا!!.

شجرة

على ضفاف النهر انبذرت. تحت تربته الخصبة كانت تستقيت. بدأت تنمو تخترق حبيبات التربة، تعافرها؛ لتصل إلى السطح، تتنفس الحياة. تعافر لا تبغى إلا وجه الشمس. نحوه تتجه تستطيل.

(بينما جذرها: فى باطن ظلام الأرض يتوغل يسترسخ!!).

تتفرع الفروع، تشتبك الأغصان، تتخالف، لكنها جميعًا تتوحد فى الساق المتطاولة الممتدة للجذر الضارب فى أعماق التربة.

 

كانت تؤوي طيرًا من غربة ، تُظلل أناسيّ من قيظ ، تُمسك قاربًا من تيه.

ترحل الطيور والأناسي والقوارب، وتبقى؛ تبقى ثابتة شامخة.

يُدمعها الخريف، يُفرحها الربيع، وتبقى ثابتة شامخة.

 

كنت صغيرًا ألهو وألعب، وحين أتعب أذهب إليها أستظلها. وعند الاستغماية أختبئ بين أغصانها.

شببتُ.

أحببتُ.

جلست وحبيبتى تحتها، نتأملها والكون؛ نحبها والكونَ.

نقشتُ عليها القلب، أنفذتُ منه سهمًا يبدأ باسمى وينتهى باسم حبيبتى.

افترقنا،

 وبقيَ نقش الحب عليها يقول معها: لا للزمن!!.

 

اشتغلتُ. ابتلعتنى دوامة الحياة. لم أعد أتأملها.

كنت أرمقها من بعيد فى عجالة، فأراها ثابتة شامخة.

 

ذات صباح خرجت، نظرت؛ فلم أجدها؛ جريت نحوها، لقيتها مجتثة مرمية!!.

سألتُ. قالوا: سيُبنَى جسر.

ها أنا أعبر فوق الجسر بعربتى متجهًا إلى عملى وفى عيني الشجرة!!.

سيارة أبى

عندما وُلدت كان فرِحًا. حملنى، باركنى؛ دعا لى الله بالصلاح والفلاح.

كان ينتظر أن أسطيعَ القعود؛ حتى يُخرجنى معه، يحملنى، يُقعدنى جانبه فى السيارة؛ فلا يشعر بالنضوب!.

كنت لا أرى من نافذة السيارة- لأنى لم أكن أسطيع إلا القعودَ المترجرج- سوى السماءِ والطيور والشمس أو النجوم والقمر السائر معى!!، وأوجهٍ تقترب من النافذة تُحدّث أبى.

وقفتُ!. أمسكتُ بالنافذة!. لكنْ كان أبى إذا وقفت وأطلقت رأسي من النافذة يُقعدني، أو اقتربت فأمسكت بالتابلوه لأنظر الطريق يُسجننى فى حزام عرفت عندما كبرت أنه للأمان.بلغتً مقبض الباب. أصبحت أفتحه بنفسي وأغلقه، وأجلس بجواره 

معتدلا لا أترجرج. صرت مثل أبى، لكن ليس تمامًا.

ذات يوم، سألتُ أبى: كيف تقود السيارة؟

أجابنى: عندما تكبر ستعرف وستقود.

 

مات أبى وجلست مكانه.

عُلِّمتُ منطق السيارة؛ بدأت أقود. كنت أرى كل شيء عن يمينى وشمالى وعن خلفى وأمامى- لا عن فوقى أو تحتى!.

 

كنت أعرف أنه لا بد فى الطريق من الحوادث!. هذه سنة الطريق!.

كان لا يقلقنى حتى لو لم يكن معى مال؛ لأنى كنت عارفًا أنى سأصل، سيرًا على الأقدام أو بالسيارة.. سأصل.

مرت السنون.

ها هو صغيرى قعوده يترجرج بجانبى ينظر للسماء يستكشف الطيور، يحملق فى الشمس.

 

 

 

قلتان

قلتان كانتا فى بيت جدي ، يشرب منهما وجدتى وأبى وعمى وعمتى أو فقير يدق الباب يستقيت ثم قبل أن يرحل يشرب منهما ليُكمِلَ طريق دق الأبواب ، أو طفل صغير أظمأ اللعبُ لسانه.قلتان كانتا تضعهما جدتى متلاصقتين فى صينية على قدهما تماما، بها

قليل من ماء ليُبَرّد ماءَهما، فيكسبهما ذاك الوضع وهذا التلاصق ثباتًا واتئادا..

يرتوى الشتاء

يلهََب الصيف

يدمع الخريف

يبسم الربيع

ويظلان فى ثبات واتئاد.

مات جدي

جاءتا عندنا فى البيت

شربت منهما

وضعتهما أمى كما وضعتهما جدتى من قبل

مات أبى

جاءتا عندى فى البيت والثلاجة

الثلاجة بيضاء نظيفة بينما هما بين نسيج العنكبوت .